السيد محمد تقي المدرسي

22

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

والفقهاء - عادة - يتعرّضون لفروع في مختلف أبواب الفقه مما يقتضي تكراراً قد ينفع المقلد ولكنه يسبب ضجراً للباحث المجتهد ، الذي لا يرى أمامه الا ذات الأدلة تتكرر من باب لآخر ، دون فارق يذكر . أوليس من الأفضل - اذاً - ان نبحث أبواب الاثبات مرة واحدة في كل الفقه ثم نرجع اليه في كل باب باب ، كما يفعل فقه القانون حديثاً . وكما مناهج الاثبات ، فكذلك الأصول العامة ، مثل أصل الاستصحاب والبراءة والاشتغال ، وما أشبه ، فإنك تجدها في أغلب أبواب الفقه بينما يناقشه الفقهاء في الأصول جملة واحدة ، ولا أظن اننا بحاجة إلى بحثه تفصيلًا في كل باب باب بصورة منفصلة ، ومثل هذين المثلين الظاهرين هناك أمثلة خفية كثيرة جداً ، يمكن ان نجمعها في باب واحد وفائدتها تكون للمجتهد كثيرة لان من مناهج الاجتهاد المقارنة بين الأشباه والنظائر . باء - الاجتهاد في الموضوعات . تختلف الموضوعات ، التي هي مجال تطبيق الفقه في الفروع ، إلى نوعين : الموضوعات البسيطة التي يسهل على الناس معرفتها ، فترجع إليهم ، والموضوعات الفقهية المعقدة التي لا تعرف الا من خلال الخبرة الفقهية إلى جنب الخبرة الموضوعية ، وتشبه إلى حد بعيد بتشخيص الأمراض ، حيث لا يقدر كل شخص على تمييزها . بل صاحب الاختصاص - وحده - قادر على ذلك ، في الفقه ليس كل انسان بقادر على تمييز الموضوعات ذات العلاقة بالفقه والشرع المقدَس فموضوع الطيَب والخبيث ( مع أنهما موضوعان لكم عام ) وموضوع القبلة ، وكذلك الّيل والنهار وكذلك أهلّه الأشهر ومواقيت الحج ، وما أشبه . كما موضوع الدورة الشهرية للنساء ، وسائر الدماء التي تؤذيهن كلها من اختصاص الفقيه كذلك الموضوعات المستحدثة ، فكيف نلقي على غير الفقهاء ، مهمة كشف المعلاملات الربوية في البنوك ؟ وكشف سائر المعاملات المحرّمة ، إلى أن نصل إلى مسؤولية تطبيق العدالة في المجتمع ؟ . وللاسلام منهجه المنطقي ونظامه المعرفي الذي سبقتُ الإشارة اليهما في الجزء الأول . الفقهاء هم الابصر بهذا النظام الذي يستطيع الفقيه به فقه الموضوعات الغامضة . ولنضرب مثلًا : العدل مفهوم عام ، ويفسره كلُّ بطريقته ، فإذا امر الشرع بإقامة العدل . وقال الله تعالى :